سـمـاوي
07-01-2007, 04:54 AM
للقراءة والإطلاع والتعليق
المكرم الاخ الدكتور علي التواتي المحترم
اتابع باهتمام كتاباتك الشيقة كل مرة ارى طلتك البهية كونك تهتم بالارياف من ناحية وكوني احد من تغناء ولا زال بعبق رائحة الريف وقد لا يخفى على امثالك ما تحتويه الارياف من مكونات طبيعية لكونك اخصائي ارياف الى هنا هذا مدخل يا دكتور .
موضوع القرية الهندية التي كتبت عنها اليوم الخميس اثار شجون قديمة قدم الجمل والمنقبة والفانوس.
يوم ان كنا اطفال نتعلم ونحن جالسون على الحنبل في مدرسة الطين وفي ايام كنا نبقى خلف السيول العارمة بالساعات حتى يأتي الغوث من كبار القرية ليربطون الأرشاء .. حبل مصنوع من جلد البقر .. يستخدم لرفع الماء من الآبار على ظهر الثور اقول يربطونه في شجرة على طرف الوادي ويأخذ طرفه الآخر اعتلهم واقواهم في يده ويعبر السيل على قوة دفعة متحدياً الصعاب حتى يصل الينا وسط استغرابنا وذهولنا ذلك الحين وبعد ذلك يربط ذلك الطرف بالشجرة المقابلة واذا تعذر وجودها امسك به ووضع رجليه خلف الاحجار الكبير ونحن نمسك معه حتى نعبر من خلال ذلك الحبل حتى الطرف الآمن .
اهـ .. يا دكتور .. لم تكن الانترنت ولا الهاتف قد حامت في مخيلتي كحلم بعد ..
اذكر اننا بقينا ذات مرة ساعتان ونصف تقريباً ننتظر ان يقف المطر ويصل الينا المدد وغيرها كثير ..
حادثة اخرى عندما طاح ثور عمي غرم .. الوحيد .. البئر ـ
لم يكن عنده انترنت ولا هاتف ريفي ولا كهرباء ..
بل انه صاح باعلى صوته الضخم والمشهور على مستوى قريتنا .. صاح افلحوا يا مفاليح .. حتى ان احد الظرفاء علق قائلاً الحمد لله ان الثور الذي طاح ثور غرم و الا لما سمعنا صوت طلب النجدة ..
المهم ان الجميع وصلوا في خلال دقائق واطلعوا ثور عمي غرم من البئر ..
اهــ لو عند عمي انترنت وقتها كان عرف عن حكايته التواتي ودونها في عكاظ .
تذكرت اشياء كثيرة يا دكتور بعد واثناء قراءتي مقالتك الشيقة بل انني حزنت اكثر يا دكتور من ان حكاية ثور عمي كانت عام 85 هـ ويومها كنا لا نلوم احد ولا نطالب احد ولا نسأل عن شيء آخر اكثر من سؤالنا عن كيف تمر الطائرة من هناك ...؟
وكبرنا وكبرت احلامنا وتعلمنا وغادرنا القرية تلك الريفية الحبيبة وشاءت الاقدار ان ابتعثت لامريكا عام 96 هـ تاركاُ خلفي ذكريات حقبة عزيزة من حقبات الطفولة وشاءت الاقدار ان ارى قرية امريكية مررت بها عمداً اثناء تنقلي للدراسة حتى ارى واشم رائحة الريف الا انني رأيت العجب ولم اشم الريف الذي تعودت عليه ..
لم تكن القرية الامريكية ائنذاك تقارن بقريتي حتى الآن ولكنها كانت قرية كمدينة صغيرة بناها اهلها بجهود خاصة كما فعل ابي وجدي ومن سبقوه ولكن هناك في امريكا من اوصل لهم الكهرباء والماء وخدمة الهاتف وصدقني يا دكتور مع ان ذلك قد لا يخفى عليك لقد شاهدت الهاتف في عشه يسكنها رجل وعجوز ته وتذكرت حينها ابي وامي وهم لا يزالوا يوقدون لمبة القاز ليلة ويطفئونها ليلة .
عدت الى قريتي بعدئذ وليتني لم اغادرها من الاصل لان المقارنة اصبحت سمة طبعي .. ليش هذا .. ولماذا تلك .. واصبح الآخرون من حولي ينتقدون رغبتي في تطوير بعض المفاهيم ..
تذكرت هذه النقطة حين احتج بعض الهنود على وجود الانترنت قبل غيره من الاساسيات في معرض مقالتك.
كان كل ما طلبته ان نرفع الى مقام البلدية التي كان يرأسها مدير التعليم السابق .. تصور ..! بطلب تخطيط الارض الفلانية كمخطط اراضي سكنية نخرج فيها من قمة هذا الجبل الى السعة ونستطيع بعد ذلك ان نطلب المستوصف والمدرسة الخاصة بنا ..
البعض فتح فاه وبقي مفتوحاً حتى اقفله كبير القوم حين قال هذه فائدة امريكا .. ليتك لم تغادر قريتنا .
تصور يا دكتور على الاقل في الهند من قبل الفكرة مع ان ربعنا هنا فيهم من يقول متهكماً .. تراني ماني بهندي ..!
وحاربني القوم الا ثلاثة ..
معلم .. وراعي غنم .. يسكن مع غنمه .. وابي الذي يعرف قدراتي .. رحمة الله.
اخذت نفسي وركبت سيارة بعد ان انتظرت ساعة تقريباً على طرف الطريق ووصلت الى رئيس بلديتنا ذلك الرجل المنفوخ شكل ومضموناً وكان مكتبه يعج بالمنتفعين وقدمت عريضة قريتي واسمائهم وانا نيابة عنهم وبعد ان قرأ نصفها وضعها الى جنبه قائلاً من قال لك هذا الكلام ...!
قلت قريتي في رأس جبل وارغب في ان نبني قرية صغيرة اسفل الجبل قريبة من طريق السيارات وحتى يصلنا الاسعاف بسهولة ..!
اطلق تلك الضحكة والتي ذكرته بها فيما بعد ..! حين قال مردفاً يا ولدي احنا وين كنا ..كنا مغمضين كثيييييير قالها هكذا ممدودة .
عرفت عندئذ لماذا ضحك ابو احمد .
المهم ان مخطط قريتي فشل في المهد صبياً وعلى يد المسئول الغير متخصص .
عدت الى قريتي مطأطئ الرأس أرفعه اذا رأيت خصومي كبرياء وعندما سألني راعي الغنم قلت له ابشر العلم وصل الى رئيس البلدية .. شالني فوق ذراعيه حالفاً ان عشائي عنده .. وقسماً عظماً يا دكتور ان لذة ذلك العشاء لا زال معششة في مخيلتي ..
ذبح الخروف الصغير خلسة دون علمي وكنت انا وهو وانصارنا ..المعلم .. وابي فقط .. اما الآخرون من ابناء القرية فقال عنهم يا ما ذبحت لهم ولا فاد فيهم .. تصدق ان فلان يجيه الضيف ويجيني يأخذ ذبيحته ولا عاد اشوفه ..؟ يقصد نائب القرية .
انتهت اجازتي وعدت الى امريكا وبقيت هناك سنتين متتالية حتى استطيع الحصول على اجازة اطول وفعلا عدت الى قريتي ووجدتها كما كانت اخر مرة خرجت منها الا ان عمي حنتوش لم يكن هناك حيث وجدته مات محصوراً.. وكذلك جدي عميش والذي مات على فراشة وهوا ينزف اثر اصابته بالفأس عندما كان يحطب لوجبة العشاء اما طريقة موت العمة حمدة فقد كانت الميتة الأشد الماً حيث ماتت وهي تلد بنتها البكر والتي لم يسموها بعد لانها هي الأخرى ماتت قبل ان ترى نور الدنيا ..
كلهم ماتوا يا دكتور دون ان يراهم طبيب وللاسف.
بعد عشر سنوات لاحقة كانت الحالة الوحيدة التي شاهدها دكتور مصري حضر بعد ست ساعات من الحادثة وكان يضع يده في جيبه حسب ما روى الاستاذ سالم هي حالة عائشة اليتيمة التي طاحت اثناء احضارها للعشب الاخضر من اهداب الجبال لبقرة امها ..
رحـمـهـم الله جـمـيـعـــــاً .
هكذا كانوا يموتون في قريتي يا دكتور وفي العهد القريب أي بعد ان انشأ الدكتور يونس بنك القرية في بنجلادش بمراحل كثيرة .
كنت قد علمت في تلك الاثناء ان شركة الكهرباء على وشك اعطاء مولدات كهرباء للارياف عن طريق احد الزملاء الذي كان والده يعمل في شركة كهرباء الرياض وطرأت على بالي فكرة تقديم طلب مماثل وكان هناك في الرياض بعضاً من ابناء قريتي يعملون في مواقع مختلفة الا انهم وعدوني بعمل اللازم ..
عرفت فيما بعد انهم اخذوا الامر هزءوا ولم اتوانى في رفع الامر برقياً الى معالي الوزير ..
وحتى كاتب البرقية كان ينظر الي بطرف عين والآخرى في السماء .. لانه في مدينة يوجد بها كهرباء وكأنه مستكثراً علينا مثل ذلك .
اخي العزيز الكلام وسرد المعاناة .. معاناة بحد ذاتها فتحمل انت من نبش هذا ..
عدت من امريكا بعد السنة الثالثة وبعد ان اكملت دراستي وكلي اصرار وعزيمة على ان اعمل لقريتي ما لم يعمله من سبقوني ولممت شتات زملاء الدراسة ومن رأيت فيهم حب روح العمل الجماعي ووظفنا خبراتنا وما تعلمناه ووضعناها في قالب واسميناه من { اجل قريتنا } وكان اول المشاريع تلك موتور الكهرباء .. واشتعلت قريتنا وبجهود مشتركة تخللها متاعب جمة .
بعد ذلك عملنا جاهدين باصرار وعزيمة وكتبنا معاناتنا الى المسئولين وعبر الصحف وعلى جدران مسجد قريتنا من اجل الحصول على مخطط حديث لقريتنا حتى تكللت جهودنا بأن وصل هذا المخطط الى حيز التنفيذ وكنا عندئذ بعيدين عن اجراءاته النهائية في المنطقة لظروف العمل وكان ان سمعنا ان اولئك الذين حاربوا الحصول عليه بالامس يتسابقون على اخذ النصيب الاكبر منه اليوم وكأنه غنيمة يأخذ منها القوي ويترك الضعيف عاونهم في ذلك التواطؤ الواضح من رئيس البلدية المهندس وللاسف وكادو ان يبتلعوا المخطط دون ان يحصل راعي الغنم على قطعته التى فرح بها وذبح اغلى خرافه والمخطط في مهده .
عندئذ لم اتوانى مرة اخرى وقمت بما قمت به من مرافعات ومعي اخوة من ابنا القرية ادين لهم بالجميل واكتب اسمائهم بمداد الذهب في اطراف جبل المجمر الذي تلتصق به قريتي ..
وقمنا جميعاً برفع الامر الى معالي الوزير وبأمر الله حين شاء امر الوزير بالغاء خطط رئيس بلديتنا واتباعه من اهل القرية الانانيين وحصل كل ذي حق على حقه وضحك راعي الاغنام ذاك .. ضحكه لن تغيب عن مخيلتي ابداً .
وشاء الله ان تكون قطعت ارضه في الموقع الذي اخذه ابن نائب القرية بدون وجه حق ..
وكانت اسعد لحظات عمري هي تلك اللحظات .
اما الانترنت والهاتف فانهما لم يفكرا بعد بزيارة قريتي رغم حاجة امي لسماع صوتي واخوتي المنتشرين على اطراف الصحراء الواسعة بينما في مقاطعة الهند الفقيرة يستغيثون بالانترنت من اجل عيون بقرة .
اكتب ما استطعت يا دكتور واسمع من استطعت من المسؤولين فأن لسان حالهم يقول ..
انشاء الله يتم ذلك في الخطة القادمة .. وراحت خطة .. وجاءت خطة .. وتغير المسؤول .. وجاء مسؤول .. ومقاطعتي كما هي ..
لا ماء .. لا هاتف .. لا طرق معبدة .. لا حلم بالانترنت .. ولا كندا .
سامحني يا دكتور .. فأنت قد نكأت الجراح .. ولن تستطيع غير ان تكتب ..
فأستمر حتى يأتي الله بأمره .
عبدالله بن سالم بن دحفلي
أبو بدر
صفحة الرأي ** عكاظ ** الخميس 6 ربيع اول 1421هـ ..!
المكرم الاخ الدكتور علي التواتي المحترم
اتابع باهتمام كتاباتك الشيقة كل مرة ارى طلتك البهية كونك تهتم بالارياف من ناحية وكوني احد من تغناء ولا زال بعبق رائحة الريف وقد لا يخفى على امثالك ما تحتويه الارياف من مكونات طبيعية لكونك اخصائي ارياف الى هنا هذا مدخل يا دكتور .
موضوع القرية الهندية التي كتبت عنها اليوم الخميس اثار شجون قديمة قدم الجمل والمنقبة والفانوس.
يوم ان كنا اطفال نتعلم ونحن جالسون على الحنبل في مدرسة الطين وفي ايام كنا نبقى خلف السيول العارمة بالساعات حتى يأتي الغوث من كبار القرية ليربطون الأرشاء .. حبل مصنوع من جلد البقر .. يستخدم لرفع الماء من الآبار على ظهر الثور اقول يربطونه في شجرة على طرف الوادي ويأخذ طرفه الآخر اعتلهم واقواهم في يده ويعبر السيل على قوة دفعة متحدياً الصعاب حتى يصل الينا وسط استغرابنا وذهولنا ذلك الحين وبعد ذلك يربط ذلك الطرف بالشجرة المقابلة واذا تعذر وجودها امسك به ووضع رجليه خلف الاحجار الكبير ونحن نمسك معه حتى نعبر من خلال ذلك الحبل حتى الطرف الآمن .
اهـ .. يا دكتور .. لم تكن الانترنت ولا الهاتف قد حامت في مخيلتي كحلم بعد ..
اذكر اننا بقينا ذات مرة ساعتان ونصف تقريباً ننتظر ان يقف المطر ويصل الينا المدد وغيرها كثير ..
حادثة اخرى عندما طاح ثور عمي غرم .. الوحيد .. البئر ـ
لم يكن عنده انترنت ولا هاتف ريفي ولا كهرباء ..
بل انه صاح باعلى صوته الضخم والمشهور على مستوى قريتنا .. صاح افلحوا يا مفاليح .. حتى ان احد الظرفاء علق قائلاً الحمد لله ان الثور الذي طاح ثور غرم و الا لما سمعنا صوت طلب النجدة ..
المهم ان الجميع وصلوا في خلال دقائق واطلعوا ثور عمي غرم من البئر ..
اهــ لو عند عمي انترنت وقتها كان عرف عن حكايته التواتي ودونها في عكاظ .
تذكرت اشياء كثيرة يا دكتور بعد واثناء قراءتي مقالتك الشيقة بل انني حزنت اكثر يا دكتور من ان حكاية ثور عمي كانت عام 85 هـ ويومها كنا لا نلوم احد ولا نطالب احد ولا نسأل عن شيء آخر اكثر من سؤالنا عن كيف تمر الطائرة من هناك ...؟
وكبرنا وكبرت احلامنا وتعلمنا وغادرنا القرية تلك الريفية الحبيبة وشاءت الاقدار ان ابتعثت لامريكا عام 96 هـ تاركاُ خلفي ذكريات حقبة عزيزة من حقبات الطفولة وشاءت الاقدار ان ارى قرية امريكية مررت بها عمداً اثناء تنقلي للدراسة حتى ارى واشم رائحة الريف الا انني رأيت العجب ولم اشم الريف الذي تعودت عليه ..
لم تكن القرية الامريكية ائنذاك تقارن بقريتي حتى الآن ولكنها كانت قرية كمدينة صغيرة بناها اهلها بجهود خاصة كما فعل ابي وجدي ومن سبقوه ولكن هناك في امريكا من اوصل لهم الكهرباء والماء وخدمة الهاتف وصدقني يا دكتور مع ان ذلك قد لا يخفى عليك لقد شاهدت الهاتف في عشه يسكنها رجل وعجوز ته وتذكرت حينها ابي وامي وهم لا يزالوا يوقدون لمبة القاز ليلة ويطفئونها ليلة .
عدت الى قريتي بعدئذ وليتني لم اغادرها من الاصل لان المقارنة اصبحت سمة طبعي .. ليش هذا .. ولماذا تلك .. واصبح الآخرون من حولي ينتقدون رغبتي في تطوير بعض المفاهيم ..
تذكرت هذه النقطة حين احتج بعض الهنود على وجود الانترنت قبل غيره من الاساسيات في معرض مقالتك.
كان كل ما طلبته ان نرفع الى مقام البلدية التي كان يرأسها مدير التعليم السابق .. تصور ..! بطلب تخطيط الارض الفلانية كمخطط اراضي سكنية نخرج فيها من قمة هذا الجبل الى السعة ونستطيع بعد ذلك ان نطلب المستوصف والمدرسة الخاصة بنا ..
البعض فتح فاه وبقي مفتوحاً حتى اقفله كبير القوم حين قال هذه فائدة امريكا .. ليتك لم تغادر قريتنا .
تصور يا دكتور على الاقل في الهند من قبل الفكرة مع ان ربعنا هنا فيهم من يقول متهكماً .. تراني ماني بهندي ..!
وحاربني القوم الا ثلاثة ..
معلم .. وراعي غنم .. يسكن مع غنمه .. وابي الذي يعرف قدراتي .. رحمة الله.
اخذت نفسي وركبت سيارة بعد ان انتظرت ساعة تقريباً على طرف الطريق ووصلت الى رئيس بلديتنا ذلك الرجل المنفوخ شكل ومضموناً وكان مكتبه يعج بالمنتفعين وقدمت عريضة قريتي واسمائهم وانا نيابة عنهم وبعد ان قرأ نصفها وضعها الى جنبه قائلاً من قال لك هذا الكلام ...!
قلت قريتي في رأس جبل وارغب في ان نبني قرية صغيرة اسفل الجبل قريبة من طريق السيارات وحتى يصلنا الاسعاف بسهولة ..!
اطلق تلك الضحكة والتي ذكرته بها فيما بعد ..! حين قال مردفاً يا ولدي احنا وين كنا ..كنا مغمضين كثيييييير قالها هكذا ممدودة .
عرفت عندئذ لماذا ضحك ابو احمد .
المهم ان مخطط قريتي فشل في المهد صبياً وعلى يد المسئول الغير متخصص .
عدت الى قريتي مطأطئ الرأس أرفعه اذا رأيت خصومي كبرياء وعندما سألني راعي الغنم قلت له ابشر العلم وصل الى رئيس البلدية .. شالني فوق ذراعيه حالفاً ان عشائي عنده .. وقسماً عظماً يا دكتور ان لذة ذلك العشاء لا زال معششة في مخيلتي ..
ذبح الخروف الصغير خلسة دون علمي وكنت انا وهو وانصارنا ..المعلم .. وابي فقط .. اما الآخرون من ابناء القرية فقال عنهم يا ما ذبحت لهم ولا فاد فيهم .. تصدق ان فلان يجيه الضيف ويجيني يأخذ ذبيحته ولا عاد اشوفه ..؟ يقصد نائب القرية .
انتهت اجازتي وعدت الى امريكا وبقيت هناك سنتين متتالية حتى استطيع الحصول على اجازة اطول وفعلا عدت الى قريتي ووجدتها كما كانت اخر مرة خرجت منها الا ان عمي حنتوش لم يكن هناك حيث وجدته مات محصوراً.. وكذلك جدي عميش والذي مات على فراشة وهوا ينزف اثر اصابته بالفأس عندما كان يحطب لوجبة العشاء اما طريقة موت العمة حمدة فقد كانت الميتة الأشد الماً حيث ماتت وهي تلد بنتها البكر والتي لم يسموها بعد لانها هي الأخرى ماتت قبل ان ترى نور الدنيا ..
كلهم ماتوا يا دكتور دون ان يراهم طبيب وللاسف.
بعد عشر سنوات لاحقة كانت الحالة الوحيدة التي شاهدها دكتور مصري حضر بعد ست ساعات من الحادثة وكان يضع يده في جيبه حسب ما روى الاستاذ سالم هي حالة عائشة اليتيمة التي طاحت اثناء احضارها للعشب الاخضر من اهداب الجبال لبقرة امها ..
رحـمـهـم الله جـمـيـعـــــاً .
هكذا كانوا يموتون في قريتي يا دكتور وفي العهد القريب أي بعد ان انشأ الدكتور يونس بنك القرية في بنجلادش بمراحل كثيرة .
كنت قد علمت في تلك الاثناء ان شركة الكهرباء على وشك اعطاء مولدات كهرباء للارياف عن طريق احد الزملاء الذي كان والده يعمل في شركة كهرباء الرياض وطرأت على بالي فكرة تقديم طلب مماثل وكان هناك في الرياض بعضاً من ابناء قريتي يعملون في مواقع مختلفة الا انهم وعدوني بعمل اللازم ..
عرفت فيما بعد انهم اخذوا الامر هزءوا ولم اتوانى في رفع الامر برقياً الى معالي الوزير ..
وحتى كاتب البرقية كان ينظر الي بطرف عين والآخرى في السماء .. لانه في مدينة يوجد بها كهرباء وكأنه مستكثراً علينا مثل ذلك .
اخي العزيز الكلام وسرد المعاناة .. معاناة بحد ذاتها فتحمل انت من نبش هذا ..
عدت من امريكا بعد السنة الثالثة وبعد ان اكملت دراستي وكلي اصرار وعزيمة على ان اعمل لقريتي ما لم يعمله من سبقوني ولممت شتات زملاء الدراسة ومن رأيت فيهم حب روح العمل الجماعي ووظفنا خبراتنا وما تعلمناه ووضعناها في قالب واسميناه من { اجل قريتنا } وكان اول المشاريع تلك موتور الكهرباء .. واشتعلت قريتنا وبجهود مشتركة تخللها متاعب جمة .
بعد ذلك عملنا جاهدين باصرار وعزيمة وكتبنا معاناتنا الى المسئولين وعبر الصحف وعلى جدران مسجد قريتنا من اجل الحصول على مخطط حديث لقريتنا حتى تكللت جهودنا بأن وصل هذا المخطط الى حيز التنفيذ وكنا عندئذ بعيدين عن اجراءاته النهائية في المنطقة لظروف العمل وكان ان سمعنا ان اولئك الذين حاربوا الحصول عليه بالامس يتسابقون على اخذ النصيب الاكبر منه اليوم وكأنه غنيمة يأخذ منها القوي ويترك الضعيف عاونهم في ذلك التواطؤ الواضح من رئيس البلدية المهندس وللاسف وكادو ان يبتلعوا المخطط دون ان يحصل راعي الغنم على قطعته التى فرح بها وذبح اغلى خرافه والمخطط في مهده .
عندئذ لم اتوانى مرة اخرى وقمت بما قمت به من مرافعات ومعي اخوة من ابنا القرية ادين لهم بالجميل واكتب اسمائهم بمداد الذهب في اطراف جبل المجمر الذي تلتصق به قريتي ..
وقمنا جميعاً برفع الامر الى معالي الوزير وبأمر الله حين شاء امر الوزير بالغاء خطط رئيس بلديتنا واتباعه من اهل القرية الانانيين وحصل كل ذي حق على حقه وضحك راعي الاغنام ذاك .. ضحكه لن تغيب عن مخيلتي ابداً .
وشاء الله ان تكون قطعت ارضه في الموقع الذي اخذه ابن نائب القرية بدون وجه حق ..
وكانت اسعد لحظات عمري هي تلك اللحظات .
اما الانترنت والهاتف فانهما لم يفكرا بعد بزيارة قريتي رغم حاجة امي لسماع صوتي واخوتي المنتشرين على اطراف الصحراء الواسعة بينما في مقاطعة الهند الفقيرة يستغيثون بالانترنت من اجل عيون بقرة .
اكتب ما استطعت يا دكتور واسمع من استطعت من المسؤولين فأن لسان حالهم يقول ..
انشاء الله يتم ذلك في الخطة القادمة .. وراحت خطة .. وجاءت خطة .. وتغير المسؤول .. وجاء مسؤول .. ومقاطعتي كما هي ..
لا ماء .. لا هاتف .. لا طرق معبدة .. لا حلم بالانترنت .. ولا كندا .
سامحني يا دكتور .. فأنت قد نكأت الجراح .. ولن تستطيع غير ان تكتب ..
فأستمر حتى يأتي الله بأمره .
عبدالله بن سالم بن دحفلي
أبو بدر
صفحة الرأي ** عكاظ ** الخميس 6 ربيع اول 1421هـ ..!