عنااااد
07-03-2007, 05:24 AM
علي سعد الموسى
أين كنت عندما اكتشفت أن العالم مسطَّح؟
يسرد الكاتب الأمريكي الشهير توماس فريدمان في كتابه (العالم مسطح)، نماذج من بعض الأفراد الذين يجيبون على سؤاله: متى اكتشفت أن العالم أصبح مسطحاً وكيف؟ وقبل أن نعرض أنموذجين من الأجوبة يجدر بنا تبسيط الفكرة. هي باختصار كما في شرح الكتاب تاريخ موجز لحركة العالم للقرن الحادي والعشرين الذي لم يعد يحتل كرة أرضية بيضاوية تحجب بالتضاريس والشكل كل جزء من الاقتراب إلى الذي يليه وإنما صار هذا العالم - مسطحاً - مثل لوح الزجاج الشفاف الذي لا مكان فيه لانزواء أو انغلاق. كل من يجلس على هذا - السطح - يستطيع أن يرى ويلاقح ويتأثر ويؤثر في كل الذين يجلسون على ذات الزجاجة المسطحة. لم تعد الأرض بيضاوية تفصل بين أجزائها البحار بل سطحاً - بالغ الاستواء - يشاهد بالعين كل ما فيه: كوب الماء الذي يسكب على طرف من هذا السطح الزجاجي سيصل إلى كل مكان من بقية السطح.
العالم المسطح يعني تماهي الحدود والمسافات: الزجاجة ليست مسطحة فحسب، بل شفافة ملساء بلا تجاعيد أو عوائق.
وفي سنوات عمله على إعداد الكتاب الضخم، كان فريدمان يسأل من يلتقي بهم في أنحاء العالم: أين كنتم عندما اكتشفتم لأول مرة أن هذا العالم مسطح؟ صحفي من المكسيك أجابه أنه أدرك أن هذا العالم مسطح عندما بدأ يرى تقارير صحفية في وسائل الإعلام المكسيكية عن أن بعض التماثيل الصغيرة للقديسة غوادالوب، عذراء المكسيك، تستورد إلى المكسيك من الصين وربما عبر موانئ أمريكية. عندما تكون المكسيك وشهرتك أنك بلد صناعي متدني الأجور، ويقوم بعض مواطنيك باستيراد تماثيل من البلاستيك من الصين لأنها تستطيع صناعتها وشحنها عبر المحيط الهادئ وتغزوك في بلدك بتكلفة أرخص من إنتاجك لها، فإنك بالفعل تعيش في عالم مسطح. حين وجه ذات السؤال: أين كنت عندما اكتشفت أن العالم مسطح، للصحفية المصرية، لميس الحديدي، أجابت: في رمضان الفائت من عام 2003 عندما كنت بالقاهرة وقدمت تقريراً لقناة سي إن إن عن فوانيس رمضان الملونة التي توجد شمعة بداخلها ويحملها الأطفال المصريون تقليدياً أثناء شهر رمضان المبارك ويلوحون بها طلبا للحلوى والسكاكر. كان ذلك عندما اكتشفت لميس الحديدي أن فوانيس رمضان البلاستيكية التي تعمل عبر البطارية بدلاً من الشمعة بدأت تتدفق على السوق وأن صاحب فكرة الاستيراد الذي أخذها لمخزنه الضخم يقول إن الفوانيس المصرية التقليدية لا تشكل اليوم أكثر من 5% من حجم السوق في بلد يعج بملايين العمالة العاطلة. ليس هذا فحسب، بل إن الفوانيس الصينية أكثر أماناً وأقل تكلفة. تقول لميس: حين اكتشفت أن الصين تغزو تراثنا بطريقة أكثر ابتكاراً لم أكتشف فحسب أن المسألة وداع للصناعة والتراث وغزو للثقافة فقط، بل اكتشفت أنني بدأت بالفعل أعرف أن العالم مسطح.
حاولوا إذا تعميم السؤال كي يعود إليكم لتكتشفوا اللحظة الفاصلة في تاريخكم الشخصي. أين كان كل فرد فيكم عندما اكتشف أن العالم مسطح؟ بالنسبة لي، كنت في قريتي الجبلية النائية منتصف ليلة باردة قارسة من عام 2000 عندما أحضر ابن أخي حاسوبه المحمول و"شبك" والدتي العجوز بالصورة والصوت مع ابنها (شقيقي) الآخر الذي كان يدرس يومها في تورنتو الكندية. سهرة - الكاميرا - عبر الإنترنت التي أخذتنا بكل وضوح إلى تفاصيل حياته وأطفاله وزوايا منزله لساعات أعادتني أكثر من عقد إلى قصتي عندما كنت أنتظر أشهراً لاتصال من ذات الأم. القرية لم يكن بها هاتف على الإطلاق والعالم يومها لم يكن يعرف الشبكة العنكبوتية. هذا الفارق الخرافي في مفهوم الغربة بين أخي في كندا وبين تجربتي الأمريكية تحقق خلال عقد من الزمن وسهرة الأم مع ابنها المبتعث في نهاية الأرض تبرهن أنهما باتا بالفعل يجلسان على زجاجة شفافة مسطحة.
السؤال: بعد الاكتشاف، ما الذي يمكن أن تفعله الجماعات والثقافات في وجه المد الجارف للعالم المسطح؟ التحصين، ولكن ليس بالانكفاء عبر الانطواء ولكن عبر المشاركة بالإنتاج كي لا نكون الحفرة - الأعمق - على مستوى سطح مسطح. وللذين يجاهرون بأدبيات رفض التواصل البناء مع بقية أطراف - السطح - عليهم أن يعرفوا أن العالم بأسره لن يعود للمربع الأول كي يتحول مرة أخرى إلى كرة أرضية. هذه الأدبيات الصارخة من الرفض لن تقنع أحداً أن يستغني عن الجوال الفنلندي والأسبرين البريطاني والسخان الإيطالي وقماش الستارة التركي والقلم الفيتنامي والبهارات الهندية، ناهيك عن كل ما فوق ذلك من صناعات العيار الثقيل: سلك توصيل كهربائي في مكابح طائرة يحتاج للتواصل مع المصنع في سياتل الأمريكية وكي يصل هذا السلك تنام الطائرة على الأرض وتتعطل مصالح آلاف المسافرين حتى وصوله. ومخطئ جداً جداً من يظن أن استيراد الآلة مفصول عن استيراد صنوها من وجهها الثقافي، فالآلة لا تأتينا مجرد حديد أصم بل مغلفة بثقافة المصدر وهذا واضح في الجوال والكاميرا والتلفزيون والحاسوب ولن أسترسل فكل صناعة تحمل معها إرهاصها الثقافي لتترك لكل الذين تخندقوا في مجرد محطات الاستقبال مرارة سؤال المصدر المنتج: أين كنت عندما اكتشفت أن العالم مسطح؟
أين كنت عندما اكتشفت أن العالم مسطَّح؟
يسرد الكاتب الأمريكي الشهير توماس فريدمان في كتابه (العالم مسطح)، نماذج من بعض الأفراد الذين يجيبون على سؤاله: متى اكتشفت أن العالم أصبح مسطحاً وكيف؟ وقبل أن نعرض أنموذجين من الأجوبة يجدر بنا تبسيط الفكرة. هي باختصار كما في شرح الكتاب تاريخ موجز لحركة العالم للقرن الحادي والعشرين الذي لم يعد يحتل كرة أرضية بيضاوية تحجب بالتضاريس والشكل كل جزء من الاقتراب إلى الذي يليه وإنما صار هذا العالم - مسطحاً - مثل لوح الزجاج الشفاف الذي لا مكان فيه لانزواء أو انغلاق. كل من يجلس على هذا - السطح - يستطيع أن يرى ويلاقح ويتأثر ويؤثر في كل الذين يجلسون على ذات الزجاجة المسطحة. لم تعد الأرض بيضاوية تفصل بين أجزائها البحار بل سطحاً - بالغ الاستواء - يشاهد بالعين كل ما فيه: كوب الماء الذي يسكب على طرف من هذا السطح الزجاجي سيصل إلى كل مكان من بقية السطح.
العالم المسطح يعني تماهي الحدود والمسافات: الزجاجة ليست مسطحة فحسب، بل شفافة ملساء بلا تجاعيد أو عوائق.
وفي سنوات عمله على إعداد الكتاب الضخم، كان فريدمان يسأل من يلتقي بهم في أنحاء العالم: أين كنتم عندما اكتشفتم لأول مرة أن هذا العالم مسطح؟ صحفي من المكسيك أجابه أنه أدرك أن هذا العالم مسطح عندما بدأ يرى تقارير صحفية في وسائل الإعلام المكسيكية عن أن بعض التماثيل الصغيرة للقديسة غوادالوب، عذراء المكسيك، تستورد إلى المكسيك من الصين وربما عبر موانئ أمريكية. عندما تكون المكسيك وشهرتك أنك بلد صناعي متدني الأجور، ويقوم بعض مواطنيك باستيراد تماثيل من البلاستيك من الصين لأنها تستطيع صناعتها وشحنها عبر المحيط الهادئ وتغزوك في بلدك بتكلفة أرخص من إنتاجك لها، فإنك بالفعل تعيش في عالم مسطح. حين وجه ذات السؤال: أين كنت عندما اكتشفت أن العالم مسطح، للصحفية المصرية، لميس الحديدي، أجابت: في رمضان الفائت من عام 2003 عندما كنت بالقاهرة وقدمت تقريراً لقناة سي إن إن عن فوانيس رمضان الملونة التي توجد شمعة بداخلها ويحملها الأطفال المصريون تقليدياً أثناء شهر رمضان المبارك ويلوحون بها طلبا للحلوى والسكاكر. كان ذلك عندما اكتشفت لميس الحديدي أن فوانيس رمضان البلاستيكية التي تعمل عبر البطارية بدلاً من الشمعة بدأت تتدفق على السوق وأن صاحب فكرة الاستيراد الذي أخذها لمخزنه الضخم يقول إن الفوانيس المصرية التقليدية لا تشكل اليوم أكثر من 5% من حجم السوق في بلد يعج بملايين العمالة العاطلة. ليس هذا فحسب، بل إن الفوانيس الصينية أكثر أماناً وأقل تكلفة. تقول لميس: حين اكتشفت أن الصين تغزو تراثنا بطريقة أكثر ابتكاراً لم أكتشف فحسب أن المسألة وداع للصناعة والتراث وغزو للثقافة فقط، بل اكتشفت أنني بدأت بالفعل أعرف أن العالم مسطح.
حاولوا إذا تعميم السؤال كي يعود إليكم لتكتشفوا اللحظة الفاصلة في تاريخكم الشخصي. أين كان كل فرد فيكم عندما اكتشف أن العالم مسطح؟ بالنسبة لي، كنت في قريتي الجبلية النائية منتصف ليلة باردة قارسة من عام 2000 عندما أحضر ابن أخي حاسوبه المحمول و"شبك" والدتي العجوز بالصورة والصوت مع ابنها (شقيقي) الآخر الذي كان يدرس يومها في تورنتو الكندية. سهرة - الكاميرا - عبر الإنترنت التي أخذتنا بكل وضوح إلى تفاصيل حياته وأطفاله وزوايا منزله لساعات أعادتني أكثر من عقد إلى قصتي عندما كنت أنتظر أشهراً لاتصال من ذات الأم. القرية لم يكن بها هاتف على الإطلاق والعالم يومها لم يكن يعرف الشبكة العنكبوتية. هذا الفارق الخرافي في مفهوم الغربة بين أخي في كندا وبين تجربتي الأمريكية تحقق خلال عقد من الزمن وسهرة الأم مع ابنها المبتعث في نهاية الأرض تبرهن أنهما باتا بالفعل يجلسان على زجاجة شفافة مسطحة.
السؤال: بعد الاكتشاف، ما الذي يمكن أن تفعله الجماعات والثقافات في وجه المد الجارف للعالم المسطح؟ التحصين، ولكن ليس بالانكفاء عبر الانطواء ولكن عبر المشاركة بالإنتاج كي لا نكون الحفرة - الأعمق - على مستوى سطح مسطح. وللذين يجاهرون بأدبيات رفض التواصل البناء مع بقية أطراف - السطح - عليهم أن يعرفوا أن العالم بأسره لن يعود للمربع الأول كي يتحول مرة أخرى إلى كرة أرضية. هذه الأدبيات الصارخة من الرفض لن تقنع أحداً أن يستغني عن الجوال الفنلندي والأسبرين البريطاني والسخان الإيطالي وقماش الستارة التركي والقلم الفيتنامي والبهارات الهندية، ناهيك عن كل ما فوق ذلك من صناعات العيار الثقيل: سلك توصيل كهربائي في مكابح طائرة يحتاج للتواصل مع المصنع في سياتل الأمريكية وكي يصل هذا السلك تنام الطائرة على الأرض وتتعطل مصالح آلاف المسافرين حتى وصوله. ومخطئ جداً جداً من يظن أن استيراد الآلة مفصول عن استيراد صنوها من وجهها الثقافي، فالآلة لا تأتينا مجرد حديد أصم بل مغلفة بثقافة المصدر وهذا واضح في الجوال والكاميرا والتلفزيون والحاسوب ولن أسترسل فكل صناعة تحمل معها إرهاصها الثقافي لتترك لكل الذين تخندقوا في مجرد محطات الاستقبال مرارة سؤال المصدر المنتج: أين كنت عندما اكتشفت أن العالم مسطح؟